محمد عبد الله دراز
298
دستور الأخلاق في القرآن
د - الحرية عندما يكون المرء قد عرف الشّريعة ، وعمل بإرادة ، وعلى بصيرة من الأمر فليس معنى ذلك أنّه يكون قد جمع كلّ شروط المسؤولية . فأنا أعرف جيدا أنّ هذا العمل محرم عليّ ، ولست أخطئ طبيعته المادية ، أو طبيعته الأخلاقية ، وحين يتحتم على إرادتي أن تتدخل فإنّها تتناوله من نفس الجانب الّذي صار به محرما . فهو إذن عمل شعوري منبعث عن نية مزدوجة . بيد أنّه إذا لم تكن إرادتي وحدها هي الّتي تحدثه ، وإذا لم يكن مجال اختياري الحرّ خاليا . كصفحة بيضاء ، وكان مشغولا بقوى أخرى هي الّتي حددت اختياري في اتجاه معين دون أي اتجاه آخر ، وإذا لم يكن لإرادتي - وهي تواجه هذا التّداخل - غير أن تتبع تيارا سبق أن خطّ لها - فكيف أنسب إلى نفسي عملا كهذا ، لم تسهم فيه شخصيتي إلّا في جانب معين ؟ . ألا يجب علينا - بالإضافة إلى ما قررناه من أهمية ملكات « المعرفة » و « الإرادة » ، أن نبحث أهمية « قدرتنا » وأن نقرر « أنّ فاعلية جهدنا » أي « حريتنا » ، شرط « رابع » في المسؤولية ؟ . . . إنّ مبدأ التّناسب بين المسؤولية والحرية تمتد جذوره بعمق في الضّمير الإنساني ، بحيث لا يمكن تجاهله دون أن يبدو في موقفنا شيء من الإجحاف فإلى أي حد إذن - إذا أخذنا الإنسان كما هو - ، يمكن أن نتحدث عن مسؤولية مشروعة ؟ . . إنّا لنعلم أنّ مشكلة الحرية قد أثارت منذ الأزل نظريتين متعارضتين إلى أقصى حدّ ، على الصّعيد المجرد على الأقل : الحتمية ، واللاحتمية .